الرئيسية / تجارب و افكار د. نجيب الرفاعي / جدد علاقتك بأكلك وجسدك

جدد علاقتك بأكلك وجسدك

الكاتب: أ.د. وائل أبو هندي

1-الأكل حدثٌ له احترامه ففرغ نفسك له تماما، وأفرد لكل وجبةٍ نصف ساعةٍ، وتوضأ للأكل وضوءك للصلاة، واجعل نيتكِ نيةَ المتعبد لله بالأكل، ولا تجعل

الأكل نشاطًا يضافُ إلى أي نشاط آخر أي أنك حين تأكل يجبُ ألا تفعل إلا الأكل فمثلا لا تشاهد برامج التليفزيون ولا تسمع أغنيةً مسجلةً وأنت تأكل.

فأولُ فروض الأكل في الإسلام هو المعرفةُ بأن المأكولَ حلالٌ من رزقٍ حلال، وتتضمنُ المعرفةُ أيضًا معرفةَ أن الله هو المنعم سبحانه كما جاء في بعض التفاسير، وقال صلى الله عليه وسلم في وصيته لعلي رضيَ الله عنه: يا علي اثنتا عشرة خصلة ينبغي للرجل المسلم أن يتعلمها في المائدة: أربع منها فريضة، وأربع منها سنة، وأربع منها أدب، فأما الفريضة فالمعرفة بما يأكل، والتسمية، والشكر، والرضا وأما السنة: فالجلوس على الرجل اليسرى، والأكل بثلاث أصابع، وأن يأكل مما يليه ومص الأصابع وأما الأدب: فتصغير اللقمة، والمضغ الشديد، وقلة النظر في وجوه الناس، وغسل اليدين” صدق رسول الله صلى الله عليه و سلم،

فإذا أردنا تطبيقَ الفروض على الأقل فإن علينا أن نكونَ واعين ومنتبهين للأكل تماما أثناء فعله، وهو ما يستلزمُ التفرغَ التام للأكل فما دام الأكلُ عبادةً فإنه لا يصحُّ أن يفعلهُ المسلم بوعي أقلَّ من وعيه الكامل ما استطاع إلى ذلك سبيلا، والوعي الكامل أثناء الأكل ضروري من أجل تنفيذ بقية الخطوات التالية التي تحتاج إلى الوعي والانتباه في نفس الوقت الذي تعززهما فيه، أي أنك تحتاج إلى الوعي لتبدأ ثم يضمن اتباعك ما يلي إبقاء ذلك الوعي كاملاً
2-كل ثلاث مرات في اليوم أو مرتين في اليوم في أيام الصوم، وإياك من ذم أي نوعٍ من أنواع الطعام الحلال، فلا تجنب الخبز ولا الأرز ولا الفاكهة، ولا شيئًا من الأطعمة خاصةً التي تؤكلُ في صورتها الطبيعية أو أقرب ما تكونُ إلى الطبيعية، باختصارٍ كل من كل شيء بشرط أن تكونَ طريقةُ أكلك هيَ الطريقة التالية، فأسوأ تأثيرات تقسيم الطعام إلى جيدٍ وسيءٍ حسب محتواه من السعرات الحرارية هو حرمان الجسد من بعض حاجاته التي قد تكونُ أساسيةً مما يدفعُ الجسد إلى التصرف بما يشبهُ الجنون، فتكونُ العاقبةُ إما السقوط في نوبات الدقر (Binge Eating) أو حدوثُ ما يعرفُ الأكل الليلي أو المسائي Night (Nocturnal) Eating حيثُ يقوم الشخص من نومه ويتحرك وهو بينَ النوم واليقظة (أي غير كامل الوعي) فيتجهُ ناحيةَ الطعام (في المطبخ أو في مكان الثلاجة) ثم يأكلُ كمياتٍ غير محكومةٍ من الأطعمة التي تجنبها خلال النهار، ويعود بعد ذلك للنوم.

3- غير طريقةَ جلوسك المعتادةَ للأكل فيمكنُ أن تجلس كما كان سيد الخلق عليه أفضل الصلاة والسلام يجلسُ للأكل (جاثيًا على ركبتيه، أو جالسًا على رجله اليسرى وناصبًا اليمنى) وأن تحسن الجلسةَ ثم تستديمها، أي لا تغير جلستك التي اخترت قبل الفراغ من الأكل، فإن رأيت ذلك غير مناسب لك خاصةً في البداية فتخير الجلسة التي تناسبك بشرط ألا تكونَ جلسةَ المتكأ أو الذي ينوي الاستكثار من الطعام، فلم يكن الرسول يجلسُ جلسةً تعززُ إطالةَ الجلوس على الأكل بل كانَ يقعدُ مستنفرًا، أي أنك حتى لو اخترت الجلوس على كرسي فيجبُ ألا يكونَ الكرسي لينًا ولا ذي ظهرٍ على سبيل المثال.

4-لا تستخدم يدك اليسرى في الأكل على الإطلاق إلا إن كنت أعسرَ، أو لتسند شيئًا أو لتزيل قشر الفاكهة أو عظمًا من اللحم، ولكن تجنب في جميع الأحوال أن تحمل يدك اليسرى شيئًا إلى فمك فذلك منهيٌ عنه في الحديث الصحيح عند مسلم، وتجنيبُ اليد اليسرى تماما أثناء الأكل يؤدي بالضرورة إلى تقليل كمية الأكل في كل لقمة، وإلى زيادة الوعي بالأكل خاصةً في الفترة الأولى من التطبيق لأنك ستكتشف أن الأمر مخالفٌ لما اعتدته طوال حياتك من قبل، وكلما لاحظت اشتراك يدك اليسرى في حمل الطعام أو توجهها به إلى فمك، فإن عليك أن توقفها وأن تكتفي باليد اليمنى وهذا الفعل سيزيدُ أولاً من وعيك وانتباهك كما أنهُ سيحول ما بينك وبينَ الشره، ويجعلك أقل عرضةً للسقوط في نوبات الدقر(الأكل الشره)، وطبيعي أن تجد صعوبةً شديدةً في الالتزام بذلك خاصةً في بداية التطبيق، ولكن استمرارك في تصحيح نفسك وإصرارك على الالتزام بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، سيجعل الصعوبةَ تزول بالتدريج.

5-ابدأ بذكر اسم الله على أول لقمة ويحسنُ أن تبدأ بالفاكهة بعد تجهيزها بيديك لا بالسكين فهكذا السنة، ويمكنك إذا أردت أن تترك الملعقةَ جانبًا لتستخدم أصابع يدك اليمنى (الإبهام والسبابةُ والوسطى)، ولا تستخدم لا الخنصر ولا البنصر ما استطعت إلا لضرورةٍ لكي تتجنب الشره.واستخدام الأصابع في الأكل كلما أمكنَ وحسب طبيعة المأكول، له عدةُ مزايا أولها زيادةُ الوعي والانتباه وثانيها زيادةُ الاستمتاع بملمس المأكول، إضافةً إلى أهمية تغيير العادة القديمة التي صاحبت ظهور اضطراب العلاقة بالأكل وبالجسد.

6- إذا وضعت شيئًا بيمناك في فمك فلا تمد يدك إلى طبق الأكل مرةً أخرى حتى تمضغ ما في فمك جيدًا وحتى تبلعه، فهكذا كانَ فعلُ الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد يكونُ ذلك صعبًا جدًّا في البداية خاصةً إذا كنا سنلتزمُ بتجويد المضغ وهو أدبٌ من آداب الأكل في الإسلام، ونحن كما يعلمُ الجميع معتادون على غير ذلك فمعظمنا يفرغُ الملعقةَ في فمه قبل ابتلاع ما فيه ممضوغًا نصف مضغ أو أقل ليحملها بالطعام مرةً أخرى، معظمنا يأكلُ وكأن أحدًا يجري وراءه، وهذا أحد أهم أسباب البدانة والشره، وعلميا يبدأ الإحساس بالشبع بعد عشرين دقيقة من بداية الأكل بغض النظر عن الكمية المأكولة، إذن فعليك أن تدرب نفسك على تجويد المضغ وعدم مد أصابعك أو ملعقتك إلى طبق الطعام قبل ابتلاع ما مضغته جيدًا، ولا تقلق من الصعوبة التي ستواجهها في البداية لأنها ستزول بالتدريج.

7- لا تستحي إذا استخدمت أصابعك اليمنى الثلاثةَ في الأكل أن تلعقها أو تمصها بعد فراغك من الأكل كفعل الرسول عليه أفضلُ الصلاة والسلام، فإن لم ترد الالتزام بذلك، فإن ما لابد منه هو أن تحمد الله على نعمة الأكل فالحمد بعد الأكل فرضٌ من فروض الأكل، ولعقُ الأصابع بعد الأكل في حالة استخدام الأصابع هو الأدبُ أو السلوك الثاني من سنن النبي عليه الصلاة والسلام، واستقذار ذلك غير منطقي لأن الآكل أدخل إلى جوفه أثناء الأكل ما يلعقهُ الآن وهو بالطبع قد غسل يدهَ ضمن وضوءٍ أو من دونه قبل أن يأكل فيدهُ أيضًا نظيفة، أما اعتبار ذلك سلوكًا غير حضاري فغير صحيحٍ خاصةً في زمن يعتبرُ فيه لعق الأعضاء الجنسية قبل وبعد الجنس سلوكًا حضاريا وأما الغاية النفسية من لعق الأصابع بعد الأكل فإنها تتضحُ ونحن نتأمل المؤمن الذي يلعقُ أو يمصُّ أصابعه التي أكل بها وهو يحمد الله على نعمة الأكل معتقدًا في تحريه للبركة فيما أكل، وما يستتبعهُ ذلك من إتمامٍ وتعظيم لمتعة الأكل وتعزيزٍ للشعور بالشبع.

8- اغسل يدك وفمك الآن وحبذا لو توضأت مرةً أخرى، واستمر في الأكل بنفس الطريقة السابقة كل يوم واعلم أنك ستشعر بعد مرور عشرين دقيقةٍ على الأكثر من بدايتك الأكل بسريان مشاعر الشبع في جسدك، فاستمر بعد ذلك دقيقتين أو أكثر حتى عشر دقائق لو شئت، بشرط أن تأكل بالكيفية التي وصفناها.

وما سبقَ من خطوات هو أول المطلوب من كل من يريدُ الحفاظ على وزنه أو جعله أقربَ ما يكونُ إلى الطبيعي أو إلى الصورة التي يفترضُ أنها صورة جسده لو أنهُ عاش حياتهُ بصورةٍ صحيحةٍ من قبل، وكل ما سبقَ في نفس الوقت ينتجُ عنهُ فقدانُ وزنٍ دونَ أن تكونَ هناكَ حميةٌ إلا إذا قلنا أنها الحميةُ التي علمها لنا صلى الله عليه وسلم، وهيَ الوحيدةُ التي لا تضر! لأنها الحميةُ الوحيدةُ التي تُعلِّمنا أن نستجيبَ لإشارات الجسد الطبيعية فنأكلُ عندما نجوعُ، ولا نأكلُ لأننا نشتهي،

وكل الخطوات السابقة أيضًا هي الخطوات التي ينبغي لمن يريدُ أن ينقصَ وزنهُ أن يطبقها كبدايةٍ لإنقاص وزنه فإذا ما أتمَّها وأصبحت هيَ سلوكياته الدائمةُ في الأكل، بدأ بعد ذلك تطبيقَ الخطوة الأخيرة إذا احتاجَ إليها بعد ستةِ أشهرٍ من بداية البرنامج، فمن يريدونَ إنقاص أوزانهم، مثلا من يريدُ زوجها منها أن تقلل وزنها أو من تريدُ بنفسها ذلك، هؤلاء يحتاجونَ إلى إضافةٍ أدبٍ آخرَ من آداب الأكل في الإسلام وهو الإمساكُ قبل الشبع.، ولكن ذلك يحتاج إلى القدرة على التعرف على علامات الشبع، وهذا ما يصبح من نجح في تعويد نفسه على ما سبق قادرا عليه بعد ستة أشهر، وبهذا يمكنه أن يبدأ في جزء البرنامج الثاني،

تحضير للطباعة أرسل هذا الخبر إنشاء ملفpdf من الخبر

عن الدكتور نجيب الرفاعي

الدكتور نجيب الرفاعي مؤسس و مدير عام مهارات للاستشارات و التدريب و الذي تأسس عام 1995 و يقدم دورات تخصصية في مجال تنمية الفرد و الاسرة

شاهد أيضاً

املأ الفراغ د.نجيب الرفاعي

تأملت نفسي فوجدت في يومي و ليلتي الكثير من الفراغات و اعني بالفراغ لحظات الصمت …